حبيب الله الهاشمي الخوئي
51
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والسفر إلى اللَّه بالرّياضيات الكاملة ، فالمراد بالنداء حينئذ ما نطق به الكتاب العزيز وجرى على ألسنة الأنبياء والرّسل والأئمة من الأوامر الواردة بالزّهد كما قال عليه السّلام موتوا قبل أن تموتوا ، أو أنّ المراد به اخبارهم بأنهم يرتحلون ولا يبقون كما قال تعالى * ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) * و * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ) * ونحو ذلك ، وقد مرّ نظير هذه الفقرة في الخطبة الثالثة والستّين وهو قوله : ترحّلوا فقد جدّ بكم ، فليراجع ثمّة . ( وأقلَّوا العرجة على الدّنيا ) أي الإقامة عليها وحبّ البقاء فيها ، والمراد به الأمر بقصر الأمل وعدم تطويله ، لأنّ طول الأمل ينسى الآخرة . كما قال عليه السّلام في المختار الثاني والأربعين : إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان اتّباع الهوى وطول الأمل ، فأما اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ ، وأما طول الأمل فينسى الآخرة ، ومضى في شرحه مطالب نافعة وأخبار نفيسة . وقال عليه السّلام في المختار الثامن والعشرين : ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد ، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل ، ومضى في شرحه أيضا مطالب وأخبار شريفة وروينا هناك عن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : من تعلَّق قلبه بالدّنيا تعلَّق بثلاث خصال : همّ لا يفنى ، وأمل لا يدرك ، ورجاء لا تنال . ومحصّل المراد من إقلال الإقامة على الدّنيا الزّهد فيها والقناعة على القدر الضروري من العيش وارتقاب الموت ولنعم ما قال عليه السّلام في الدّيوان المنسوب إليه إنما الدّنيا فناء ليس للدّنيا ثبوت إنما الدّنيا كبيت نسجته العنكبوت ولقد يكفيك منها أيها الطالب قوت ولعمرى عن قليل كلّ من فيها يموت وقال أيضا : ألم تر أنّ الدّهر يوم وليلة يكرّان من سبت جديد إلى سبت فقل لجديد الثوب لابدّ من بلى وقل لاجتماع الشمل لا بدّ من شتّ وقال أيضا : بيت ويوم وقوت يوم يكفى لمن في غد يموت